عقدت كلية العلوم الصحية بالجامعة الإسلامية بغزة بالشراكة مع سلطة جودة البيئة ومنظمة الصحة العالمية وبإشراف وزارة الصحة الفلسطينية يومًا علمياً بعنوان: “معاً من أجل الصحة .. ادعموا العلم.. ادعموا غزة”، وجاء هذا اليوم العلمي ضمن الاحتفالية بيوم الصحة العالمي، وأقيم اليوم العلمي في مبنى فلسطين بالجامعة بحضور كل من: الأستاذ الدكتور أسعد يوسف أسعد – رئيس الجامعة الإسلامية، وعطوفة الدكتور ماهر محمود شامية – وكيل وزار الصحة، والأستاذ الدكتور عبد الرؤوف المناعمة- عميد كلية العلوم الصحية، والمهندس مازن سمير البنا – نائب رئيس سلطة المياه وجودة البيئة، والدكتور فتح الرحمن البدري الزين – ممثل منظمة الصحة العالمية، وحضره نخبة من ممثلي المؤسسات الحكومية والدولية والأكاديميين وصنّاع القرار.
وتطرق اليوم العلمي إلى واقع النظام الصحي والبيئي في قطاع غزة في ظل الحرب المستمرة وتداعياتها الكارثية، وانعقد على مدار جلستين علميتين بالإضافة للجلسة الحوارية، وخلصت تلك الجلسات إلى أن قطاع غزة يواجه أزمة صحية وإنسانية مركبة، تتداخل فيها عوامل انهيار البنية التحتية الصحية، وتدهور خدمات المياه والإصحاح، وانتشار الأمراض المعدية، وتصاعد مقاومة مضادات الميكروبات، إلى جانب تفاقم انعدام الأمن الغذائي. مما يجعل التعامل مع هذه الأزمة بالاستجابة الشاملة والمتكاملة التي تتجاوز الحلول الجزئية أو المؤقتة.
وأوصى المشاركون في اليوم العلمي بمجموعة من التوصيات، أولها على مستوى السياسات العامة: التأكيد على أن “الوقوف مع العلم” يتطلب حماية أدواته من علماء وأطباء وأدوات، ففي الوقت الذي يحتفي فيه العالم بالتطور التقني وتطبيق المعايير الصحية العالمية (Global Standards) إلا أن هذه المعايير لا يمكن تطبيقها في غزة دون رفع الحصار الطبي الكامل، وتوفير الحد الأدنى من المقومات (كهرباء، ماء، وقود)، ودعا المشاركون إلى اعتبار القطاع الصحي في غزة أولوية إنسانية عاجلة، مع التأكيد على أهمية تحييد العمل الصحي عن التجاذبات السياسية لضمان استمرارية تقديم الخدمات وتدفق الإمدادات الأساسية دون انقطاع، والعمل على الانتقال التدريجي من إدارة الطوارئ إلى التخطيط للتعافي المبكر، وأدان المشاركون استمرار استهداف المنشآت الطبية واعتقال الكوادر الطبية، وطالبوا المجتمع الدولي بتوفير وضمان عدم استهداف الكوادر البشرية وحماية المنشآت الصحية ومرافق المياه والصرف الصحي وفقاً للقوانين الدولية، واعتبار استهدافها “جريمة ضد العلم والإنسانية”.
في جانب تعزيز النظام الصحي، أوصى المشاركون بالسماح العاجل بإجلاء المرضى الذين بحاجة للعلاج بالخارج، مع ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية الصحية بشكل عاجل، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتطوير أنظمة إحالة فعالة تضمن استمرارية الرعاية، خاصة للفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب إعادة بناء النظام المختبري والبدء الفوري بإعادة اعمار المختبرات المركزية وتجهيزها بالتقنيات الحديثة، وإنشاء مختبر مرجعي متنقل مجهز بالتقنيات التشخيصية اللازمة لتعويض الـ 82% من المختبرات المدمرة، ولضمان رصد الأوبئة قبل تفشيها، وانشاء وتفعيل وحماية ممرات طبية آمنة ودائمة وتحت اشراف دولي لإدخال الأدوية التخصصية (السرطان، الكيماوي، غسيل الكلى)، والمهمات الطبية، ومستهلكات المختبرات، والأجهزة التشخيصية، وأجهزة الاشعة والرنين، واي أجهزة أخرى من التي يتم وصمها “ذات الاستخدام المزدوج” دون خضوعها للقيود الأمنية التي تسبب تلفها أو تأخرها.
وفيما يتعلق بجانب المياه والإصحاح والنظافة (WASH)، طالب المشاركون المنظمات الدولية (خاصة اليونيسف) بالعمل مع سلطة المياه وجودة البيئة بضرورة توفير حلول استثنائية للطاقة البديلة لضمان تشغيل ابار المياه ومحطات التحلية ومضخات الصرف الصحي لضمان الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية، والتخلص التدريجي من الحفر الامتصاصية واستبدالها بشبكات صرف صحي أو أنظمة معالجة لامركزية، للحد من تلوث المياه الجوفية والتربة وتحسين الصحة العامة.” ، وضمان إدخال الكلور والمحروقات بشكل منتظم لتأمين إنتاج وتعقيم المياه وتشغيل مرافق الصرف الصحي، حمايةً للصحة العامة.”، إضافة إلى تأهيل وتشغيل محطات المعالجة بشكل عاجل للحد من تصريف المياه غير المعالجة إلى البحر وحماية البيئة البحرية والصحة العامة.
أما عن محور الأمراض المعدية والترصد الوبائي، أوصى المشاركون بتعزيز أنظمة الترصد المبكر، وتوسيع برامج التطعيم، وتفعيل الاستجابة السريعة للفاشيات من خلال فرق ميدانية متخصصة، مع استخدام مؤشرات بديلة في ظل محدودية القدرات المختبرية.
وبخصوص مقاومة مضادات الميكروبات (AMR)، أكد المشاركون بناءً على نتائج الأبحاث العلمية المحلية المعروضة والمتوفرة على ضرورة تطبيق برامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية، وتعزيز نظم المراقبة، وتنظيم توزيع الأدوية للحد من الاستخدام العشوائي.
في محور الأمن الغذائي والتغذية، شدد المشاركون على خطورة التجويع كعامل رئيسي في تدهور الصحة العامة، ويدعون إلى إطلاق برامج تغذية طارئة للفئات الهشة، وربط التدخلات الغذائية بالاستجابات الصحية.
وفيما يتعلق بمحور الموارد البشرية الصحية، طالب المشاركون بدعم الكوادر الصحية نفسياً ومهنياً وماليًا، وبالاعتراف الدولي بالضغوط الاستثنائية التي تواجه الكوادر الطبية (خاصة العائدين من الاعتقال)، وتدريبها على إدارة الطوارئ، وضرورة توفير بيئة عمل آمنة ومحفزة تضمن بقاء هذه العقول داخل المنظومة الصحية، والاستفادة من الكفاءات المحلية في التخطيط والاستجابة، لضمان استقرار الخدمة، وأن يتم التنسيق العاجل لإدخال الوفود الطبية المتخصصة لإسناد الطواقم الصحية.
ودعا المشاركون إلى تعزيز البحث العلمي التطبيقي المرتبط بالواقع (طب الازمات)، وتشكيل لجنة علمية لتوثيق الابتكارات الطبية القسرية (كما حدث في بروتوكول استخدام القصدير للخدج) وإنشاء قواعد بيانات مركزية لدعم اتخاذ القرار، مع التركيز على القضايا ذات الأولوية مثل الأمراض المرتبطة بالمياه ومقاومة المضادات.
وأكد المشاركون على ضرورة تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية، وإنشاء منصات وطنية متعددة القطاعات، وتفعيل دور المجتمع المحلي كشريك أساسي في الاستجابة، ولفت المشاركون إلى أهمية إطلاق حملات توعية مكثفة، وتمكين المجتمع من تبني ممارسات صحية سليمة، وتطوير مواد تثقيفية تتناسب مع ظروف النزوح والطوارئ.